الثعلبي

184

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

فَجَعَلَهُ غُثاءً هشيما باليا ، أَحْوى أسود إذا هاج وعتق . سَنُقْرِئُكَ : سنعلمك ويقرأ عليك جبريل ، فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أن تنساه وهو ما ننسخه من القرآن ، وهذا معنى قول قتادة ، وقال مجاهد والكلبي : كان النبي ( عليه السلام ) إذا نزل جبريل بالقرآن لم يفرغ من آخر الآية حتى يتكلم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بأوله مخافة أن ينساها فأنزل الله تعالى : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى فلم ينس بعد ذلك شيئا ، ووجه الاستثناء على هذا التأويل ما قاله الفراء : لم يشأ أن ينسى شيئا ، وهو كقوله سبحانه : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ * « 1 » ، وأنت تقول في الكلام لأعطينّك كل ما سألت إلّا ما شاء أن أمنعك والنية أن لا تمنعه ، وعلى هذا مجاري الأيمان يستثنى فيها ونية الحالف النمّام . وسمعت محمد بن الحسن السلمي يقول : سمعت محمد بن الحسن البغدادي يقول : سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول : كان يغشي الجنيد في مجلسه أهل النسك من أهل العلوم وكان أحد من يغشاه ابن كيسان النحوي ، وكان في وقته رجلا جليلا فقال له يوما : يا أبا القاسم ما تقول في قوله سبحانه : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى فأجابه مسرعا كأنه تقدم له السؤال قبل ذلك بأوقات : لا تنسى العمل به ، فأعجب ابن كيسان به إعجابا شديدا وقال : لا يفضض الله فاك مثلك من يصدر عن رأيه « 2 » . إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ من القول والفعل وَما يَخْفى : قال محمد بن حامد : يعلم إعلان الصدقة وإخفاءها . وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى لعمل الجنّة ، وقيل : هو متصل بالكلام الأول معناه : نعلم الْجَهْرَ مما تقرأه يا محمد على جبريل إذا فرغ من التلاوة عليك ، وَما يَخْفى ما تقرأه في نفسك مخافة ان تنساه . ثم وعده فقال : وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى أي يهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعلمه وتعمل به ، وقيل : ويوفقك للشريعة اليسرى ، وهي الحنفية السمحة . فَذَكِّرْ عظ بالقرآن إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى التذكر سَيَذَّكَّرُ سيتّعظ مَنْ يَخْشى الله سبحانه وَيَتَجَنَّبُهَا يعني ويتجنب التذكرة ويتباعد عنها . الْأَشْقَى الشقي في علم الله سبحانه . الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها فيستريح وَلا يَحْيى أي حياة تنفعه . وسمعت السلمي يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت أبا القاسم البزاز يقول : قال ابن عطا : لا يَحْيى ! فيستريح عن القطيعة وَلا يَحْيى فيصل إلى روح الوصلة . [ سورة الأعلى ( 87 ) : الآيات 14 إلى 19 ] قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ( 15 ) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 16 ) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 17 ) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى ( 18 ) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى ( 19 )

--> ( 1 ) سورة هود : 107 . ( 2 ) تفسير القرطبي : 20 / 19 .